تنظيم “داعش” وورطة “المجاهدات”: فك الحظر مخاطر متعددة على الأمن الإقليمي والدولي

اسرار نشر المركز الدولي لمكافحة الإرهاب ومقره مدينة دنهاخ الهولندية دراسة معمقة حول الوضع الإشكالي التي تتواجد فيه النساء ضمن معادلة الجهاد لدى التنظيمات الإسلامية بصفةٍ عامة وتنظيم “داعش” بصفةٍ […]

اسرار
نشر المركز الدولي لمكافحة الإرهاب ومقره مدينة دنهاخ الهولندية دراسة معمقة حول الوضع الإشكالي التي تتواجد فيه النساء ضمن معادلة الجهاد لدى التنظيمات الإسلامية بصفةٍ عامة وتنظيم “داعش” بصفةٍ خاصة. وقام كاتبا الدراسة تشارلي فينتر وديفورا ماغولين بتسليط الضوء على المراحل المتعددة التي مر بها الدور الجهادي للنساء في تنظيم “الدولة الإسلامية”. وفي الوقت الذي اعتمد فيه تنظيم “القاعدة في العراق”، سلف تنظيم “الدولة الإسلامية”، بصورةٍ كبيرة على النساء لتنفيذ هجماته الانتحارية، فقد فرض تنظيم “الدولة الإسلامية” لعب النساء لدور الزوجات والأمهات. كما تستعرض هذه الدراسة الدور الذي لعبه الضغط المتزايد على التنظيم وتناقص أعداد مقاتليه في تغيير المعادلة، حيث اضطر التنظيم مؤخراً إلى الإعلان عن رفع الحظر عن مشاركة النساء في القتال.

وكان التنظيم أعلن لمرتين مؤخراً عن رفع الحظر الاختياري المفروض على النساء المقاتلات، ما يعتبر تحولاً قد تكون له تأثير كبير على الأمن الإقليمي والدولي.

وتستعرض الدراسة الوثائق التي أبرزت هذا التحوّل، بالإضافة إلى السياسات السابقة له. ومن خلال تحليل الأدبيات اللغوية العربية والانكليزية التي استند لها التنظيم في هذا الخصوص، تظهر الدراسة أن حظر التنظيم لمشاركة النساء في القتال كان متسقاً بشكلٍ ملحوظ حتى الآونة الأخيرة، رغم حفنة التقارير غير المؤكدة التي أشارت إلى مشاركة النساء في التفجيرات الانتحارية. وبصرف النظر عن مشاركة النساء في ساحة المعركة وتزايد عدد التقارير التي تربطهن بالتفجيرات الانتحارية، يحاول الكاتبان إبراز ما رسمته إعلانات تنظيم “الدولة الإسلامية” من أسس دينية كفيلة بإحداث تغيير سيحمل في طياته تأثيراتٍ كبيرة على الحرب ضد تنظيم “داعش”، ليس فقط في العراق وسوريا فحسب، بل أيضاً في جميع أنحاء العالم.

وكانت وسائل الإعلام قد التقطت في 9 يوليو 2017 صورةً من مدينة الموصل العراقية لشابة ترضع طفلاً أثناء سيرها في الشوارع المدمرة من المدينة القديمة بصحبة عناصر الأمن العراقيين. وعقب التقاط هذه الصورة، لفتت وسائل الإعلام إلى أن المرأة، وهي ما تزال مجهولة الهوية حتى الآن، كانت تخبئ عبوةً ناسفة في الحقيبة التي كانت على جانبها. وبحسب التقارير، فقد أسفر الانفجار عن مقتل السيدة وطفلها وجرح عدد من المدنيين وجنديين عراقيين كانوا موجودين في المنطقة المجاورة. ويشير فينتر وماغولين في دراستهما إلى أن هذا النوع من التقارير بات مألوفاً مع اقتراب معركة الموصل من نهايتها ومرور أكثر من 9 أشهر من الحرب الطاحنة التي تم خوضها في المناطق المدنية. وشهدت معارك الموصل مشاركة 30 سيدة في تنفيذ التفجيرات الانتحارية في المدينة منذ منتصف يوليو 2017،. ولم يعلن تنظيم “داعش” عن تبنيه لأي من هذه الهجمات، ويبدو أنه لن يقوم بذلك أبداً. وبصرف النظر عن موقف التنظيم من تبني هذه الهجمات، فإن ارتفاع عدد التقارير المرتبطة بتنفيذ نساء لهجمات انتحارية في مناطق “داعش” يثير تساؤلاتٍ هامة حول موقفه من مشاركة النساء في الحرب.

ويرى الباحثان أن هناك أسباب تدعو للاقتناع بأن بعض التفجيرات الأخيرة التي وقعت في الموصل نفذتها نساء، وذلك على الرغم مما ظهور من شكوك حول التقارير التي حاولت ربط النساء بما وقع من تفجيراتٍ انتحارية في العراق وسوريا خلال السنوات الماضية. وبحسب الدراسة، فإن تنظيم “داعش” قام بتعديل موقفه الأيديولوجي من جواز مشاركة النساء في الأعمال القتالية مؤخراً، حيث تبنى موقفاً يذكرنا بسلفه تنظيم “القاعدة في العراق”. ويشدد صاحبا الدراسة على أن هذا التحوّل لم يحظى بقدرٍ كبير من الاهتمام حتى هذه اللحظة.

حقبة جديدة
نشر تنظيم “داعش” في يوليو 2017 العدد الحادي عشر من مجلته الشهرية الرسمية “رومية” والتي تصدر باللغات الإنكليزية والفرنسية والبوسنية والألمانية والإندونيسية والكردية والبشتونية والروسية والتركية والأويغورية والأوردو. وعلى الرغم من استعراض هذه المجلة لأخبار التنظيم وما يقدمه من خطب ورسوم بيانية، إلا أن دورها الأبرز يكمن في ضبط سياسة التنظيم. ويمكن القول إن صحيفة “النبأ” التي ينشرها التنظيم باللغة العربية تشارك مجلة “رومية” في هذا الدور.

ومن الجوانب المتكررة التي تسعى مجلة “رومية” إلى إبرازها ما يقوم التنظيم بتصميمه من محتوى أيديولوجي يتناسب خصيصاً مع اهتمامات النساء المقاتلات. وتتسق مقالة “رحلتنا إلى الله” مع هذا التوجه، حيث قامت المقالة المألفة من 4 صفحات بتشجيع النساء في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم على “الثبات” في مواجهة الشدائد ودعم رجالهن أثناء قتال أعداء “الخلافة”. ولم تغفل المقالة عن التطرّق إلى رسالة التنظيم المعتادة حول الدور الأول للنساء كـ”زوجات” و”أمهات” يحرصن على تنفيذ ما يترتب عليهم من واجبات، بالتزامن مع تجنّب معارضة حق أزواجهن “في تعدد الزوجات”.

ولم تكن مقالة “رومية” لتحظى بنفس الاهتمام دون الجمل الأربع الأخيرة التي وردت في نهايتها، حيث أشار كاتب هذه المقالة إلى أن النساء بات في مقدورهن الآن أخذ دورهن في الجهاد والقتال. وتشير المقالة إلى أن الوقت قد حان لتظهر النساء ما لديهنّ من “شجاعة وتضحية في هذه الحرب” والسير على خطا الصحابية “أم عمارة” التي دافعت عن المسلمين في غزوة أحد إلى جانب أربع نساء أخريات كانت إحداهن حامل. وشجعت المقالة أنصار تنظيم “داعش” من النساء على الاحتذاء بأم عمارة والمشاركة في ساحات الوغى “ليس لنقصٍ في عدد الرجال، بل لحبّهن للجهاد، ورغبتهم بالتضحية بأنفسهن في سبيل الله والظفر بالجنة”.

وتزامنت دعوة النساء لحمل السلاح مع نشر صحيفة “النبأ” في ديسمبر 2016 للرسالة التالية: “الجهاد ليس بفرضٍ على النساء، إلا أن المرأة المسلمة تعلم أن الجهاد فريضة عليها في حال وصل العدو إلى مخدعها، وبصورةٍ مماثلة لما عليه الحال مع الرجال. ويحتّم عليها هذا الوضع مقاومة العدو بكل الوسائل الممكنة”. وعلى الرغم من تحديد تنظيم “الدولة الإسلامية” لجهاد المرأة في إطار الحالة الدفاعية، إلا أن التمعّن بفحوى الإشارتين المذكورتين في مقالة “النبأ” يشير بوضوح إلى رفع التنظيم للحظر المفروض على مشاركة النساء في المعركة ولو بصفةٍ رمزية.

الجهاديون والنساء في الحرب

إمرأة عراقية نازحة تتهم السلطات العراقية عائلتها بالقتال في صفوف تنظيم “داعش” – مخيم الجدعة، بالقرب من منطقة القيارة جنوب مدينة الموصل. Photo AFP

يقوم فينتر وماغولين في هذا القسم من الدراسة بتسليط الضوء على السياق المفاهيمي لمشاركة النساء في الجهاد عبر الخوض في الإطار الموسّع لأيديولوجيا الجهاد. وشهدت العقود الأخيرة معارضة الجهاديين لانخراط النساء في الجهاد ضمن ساحات القتال، إلا إذا كانت الظروف تتطلب غير ذلك. وكان هؤلاء ينظرون إلى النساء باعتبارهن زوجات وأمهات ومربيات للجيل القادم. ويستند هذا الموقف إلى عقيدة الجهاد العسكري التي تعود إلى السنين الأولى من الإسلام وأعاد العلماء المسلمون النظر فيها لعدة مرّات. ولم تميّز التطورات الحاصلة على الجهاد بين أوقات الحرب والسلم فحسب، بل مضت قدماً لتغطي العلاقات بين الأمم الإسلامية وبين المسلمين وجيرانهم غير المسلمين. وعلى الرغم مما شهده مفهوم الجهاد من تقلبات كبيرة على مستوى التفسير خلال السنوات الـ1400 الماضية، إلا أن الموقف من النساء أثناء الحرب بقي متسقاً بصورةٍ نسبية، إذ لم يتم تشجيع النساء المسلمات على المشاركة في ساحة المعركة.

ولم يواجه هذا الطرح أي تغيير إلا عندما اعتمد عبد الله عزام على ما طرحه الإسلامي المصري عبد السلام الفرج من كتاباتٍ حول الجهاد الدفاعي، والتي مهّد فيها الطريق الديني لمشاركة النساء في القتال. وأكد عزّام في الفتوى الأشهر له والتي انتشرت في ثمانينيات القرن الماضي، أن الجهاد الدفاعي “فرض عين” على جميع المسلمين، سواءً أكانوا رجالاً أو نساء. ورغم أن هذا الطرح كان ثورياً بصورةٍ نسبية، إلا أنه لم يمنح النساء حق المشاركة في القتال في كل حين، حيث تم حصر هذا الأمر ضمن سياقاتٍ معينة. وبحسب عزّام، فإن النساء مطالبات بالمشاركة في الجهاد إذا ما كان دفاعياً. وأيد عددٌ من كبار المجاهدين هذا الطرح كمنظّر تنظيم “القاعدة” عبد القادر بن عبد العزيز (سيد إمام الشريف)، حيث اعتبر هذا الأخير أن تدريب النساء ضروريٌّ من الناحية العسكرية، على أن يقتصر هذا التدريب على تزويدهن بما يحتجن إليه للدفاع عن أنفسهن في مواجهة أعداء الإسلام.

وباختصار، فقد شابت الكثير من التناقضات موقف الجهاديين تجاه مشاركة النساء في القتال، إذ لا ينبغي على النساء المشاركة في القتال إلا في حال توفرت الشروط النظرية لذلك. في المقابل، فقد كانت مشاركة النساء في الأعمال القتالية نادرة عندما توافرت الشروط المطلوبة لجواز ذلك بحسب ما أشارت إليه الباحثة نيلي لاهود. ولم يكن تنظيم “القاعدة في العراق” التنظيم الجهادي الأول الذي يسعى إلى عسكرة النساء، إلا أنه كان من التنظيمات الرائدة على مستوى نقل هذا الأمر من الجانب النظري إلى الجانب العملي.

مجاهدات الزرقاوي
سعى تنظيم “القاعدة في العراق” لإشاعة حضور النساء المقاتلات في ساحات القتال. وتشير التقارير الإخبارية إلى إرسال العشرات منهنّ لتنفيذ هجماتٍ انتجارية لصالح الجماعة في النصف الثاني من العقد الأول من هذا القرن.

وخرجت ظاهرة الانتحاريات أمام العيان للمرة الأولى في العراق في عام 2005، وذلك بعد أشهر قليلة من الكلمة التي بثها زعيم تنظيم “القاعدة في العراق” أبو مصعب الزرقاوي واستمرت لمدة 97 دقيقة بعنوان “أينقص الدين وأنا حي”. وناقش الزرقاوي في هذه الخطبة دور النساء في الجهاد بصورةٍ خاصة، مشيراً إلى أن الضغط الذي واجهه المسلمون السنّة أثناء احتلال العراق يتطلب منهنّ القيام بدورٍ أنشط. وأشار في تلك الخطبة إلى الصحابية أم عمارة، مضيفاً إن “المرأة المجاهدة هي التي تربي وليدها لا ليحيا بل ليقاتل ثم ليُقتل، ثم ليعيش فيكون حرّاً… ماأعظمها من همّة وما أسماها من نيّة”. وبعد 18 دقيقة، تحدّث الزرقاوي عن “كثير من الأخوات المجاهدات في أرض الرافدين يطلبن القيام بعملياتٍ استشهادية”. وفي الوقت الذي لم يصادق فيه الزرقاوي على هذه الطلبات، إلا أن كلماته بدت وكأنها تتنبأ ببداية ما عرف بالعسكرة الممنهجة للنساء في تنظيم “القاعدة في العراق”. وبحسب فينتر وماغولين، فقد “لعبت الانتحاريات دوراً رئيسياً في التمرد العراقي في الأشهر والسنوات التي تلت هذه الخطبة”.وأثبتت العمليات التي قمن بها، بطرقٍ متعددة، أنها أكثر فائدة مما قام به الرجال من عمليات انتحارية. وبحسب الدراسة، فإن تتبع النساء أصعب، وهو ما يسهّل دخولهن إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها.

وشهد يوم 28 سبتمبر 2005 تنفيذ أول عملية انتحارية نسائية لصالح تنظيم “القاعدة في العراق”، حيث ارتدت إحدى النساء ملابس الرجال وفجّرت عبوة ناسفة خارج القاعدة العسكرية الأمريكية بالقرب من تلعفر. وقال المتحدث باسم التنظيم أبو ميسرة العراقي في بيان إن الانتحارية التي قامت بالعملية “أختٌ نبيلة” قامت بدورها البطولي نصرةً لدينها”.

واحتفل أبو ميسرة بعد عدة أيام بهجومٍ تفجيري ثانٍ في الموصل، حيث قام شخصان باستهداف قافلة أمريكية. وقال أبو ميسرة: “هاجم الأخ قافلة من عبدة الصليب في حي البلدية شرقي الموصل، حيث دمّر، بمشيئة الله، عربةً مدرعةً وقتل كل الموجودين فيها بفضل الله ونعمه. وبعد ذلك، قامت زوجة الأخ بمهاجمة قافلة صليبية في حي الحدباء، ونجحت الأخت، بفضل الله، بتدمير عربة مدرعة وقتل كل من فيها”.

ومن المؤكد أن هذه العمليات وغيرها، ومنها تلك التي قامت بها البلجيكية موريل ديغوك، أثارت الكثير من الجدل. وبحسب مفهوم الزرقاوي للعقيدة الجهادية، فقد كانت هذه العمليات مبررة من الناحية التكتيكية، باعتبارها وسيلة لضرب الخصم، وأيضاً من الناحية الاستراتيجية باعتبارها وسيلة لدفع الرجال نحو حمل السلاح. وعلى هذا النحو، استمر تنفيذ هذه العمليات دون هوادة حتى بعد مقتل الزرقاوي وبدء عمل تنظيم “القاعدة في العراق” تحت لواء تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق”. وفي بداية عام 2007، زاد معدل تنفيذ النساء للعمليات حتى بلغ ذروته عام 2008 بسبب ما واجهه التنظيم حينذاك من ضغطٍ غير مسبوق.

تعليق قلق للعمليات

صورة مشتركة لساجدة الريشاوي ومعاذ الكساسبة. Photo AFP

لأسبابٍ غير واضحة، قرر تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” تعليق مشاركة النساء في القتال في بداية العقد الثاني من الألفية الجديدة. ورغم عدم تحديد التنظيم للسبب الكامن وراء هذا التعليق، إلا أن ذلك يعود إلى الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من العراق، والتي كانت السبب في تبرير “الإجراءات المتطرفة” للتنظيم. وعلى الرغم من اختفاء التقارير التي تشير إلى تنفيذ النساء لتفجيراتٍ انتحارية، إلا أن الجماعة لم تغلق الباب تماماً في وجه موقفها السابق.

ويرى صاحبا الدراسة أن موقف تنظيم “داعش” كان لا لبس فيه من مشاركة النساء في القتال حتى وقت قريب على الأقل، إلا أنه لم يمتنع عن إغراء النساء المقاتلات على حمل السلاح كما كان الحال عليه لدى أسلافه من التنظيمات الجهادية. ومن أبرز الأمثلة على النساء اللواتي وقعن تحت تأثير هذا الإغراء ساجدة الريشاوي، التي تم اعتقالها في العاصمة الأردنية عمّان في عام 2005، وذلك بعد فشلها في تفجير عبوة ناسفة في حفل زفاف أقيم في فندق راديسون. وبعد سنواتٍ من اختفائها عن الأنظار، عاد اسم الرشاوي ليتصدّر عناوين الأخبار الرئيسية عندما طالب تنظيم “الدولة الإسلامية” في فبراير 2015 بإطلاق سراحها من حكم الإعدام المفروض عليها. وعرض التنظيم مقابل ذلك الإفراج عن كينجي غوتو، المصوّر الياباني المحتجز لدى التنظيم لمدة عام، ومعاذ الكساسبة، الطيار الأردني الذي تحطمت طائرته بالقرب من الرقة في نهاية عام 2014. وبعد أسابيع من المفاوضات وقطع رأس غوتو على يد الجهادي محمد أموازي (المعروف بالجهادي جون) وحرق الكساسبة في قفصٍ وهو حي، قامت الحكومة الأردنية بتنفيذ حكم الإعدام شنقاً على الريشاوي.

رجال الشرطة يحرسون مبنى المحاكم العسكرية عقب صدور قرار إعدام الريشاوي. Photo AFP

ولفتت هذه الحادثة الانتباه إلى التناقض الكامن في أيديولوجية تنظيم “الدولة الإسلامية”. فعندما كان التنظيم يسعى لإنقاذ حياة الريشاوي، كان دعم الجماعة لها كإمرأة سعت لتنفيذ تفجير انتحاري لصالح تنظيم “القاعدة في العراق” لا لبس فيه. وفي الوقت نفسه، كان تنظيم “الدولة” من أشد معارضي النساء المقاتلات لعددٍ من السنوات. وفي الفترة القصيرة التي لعب فيها تنظيم “الدولة الإسلامية” دور “الخلافة”، فقد عجّت دعايته بالحجج الدينية والعاطفية والسياسية التي تحول دون ظهور النساء في ساحة المعركة، وهو موقفٌ يتناقض مع السبب الكامن وراء وجودها.

وحتى الآونة الأخيرة، ظل الحال على ما هو عليه. وبالطبع، لم يتوجب على تنظيم “الدولة الإسلامية” الدخول في ورطة النساء المقاتلات حتى بدأ خسارة المناطق التي كان يسيطر عليها. وبعد إعلان “دولة الخلافة” في عام 2014، تواجد لدى التنظيم عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب، ما دعا هذه “الخلافة” إلى اعتبار جهادها هجومياً لا دفاعياً. وبالطبع، فقد تغيّر جهاد التنظيم ليصبح دفاعي الطابع بعدما وصلت “دولة الخلافة” إلى حافة الانهيار على المستوى الإقليمي. وتبعاً لذلك، فقد كان على تنظيم الدولة إعادة النظر في موقفه تجاه النساء المقاتلات.

المهاجرة المثالية: بين الأسطورة والحقيقة

إمرأة عراقية تمر بالقرب من المباني المدمرة جنوب الموصل بعد إعلان الحكومة العراقية انتصارها على تنظيم “الدولة الإسلامية” وطرد عناصر التنظيم من المدينة. Photo AFP

تشير الدراسة إلى أن تنظيم “الدولة الإسلامية” بات لاعباً أساسياً في وسائل الإعلام العالمية في أعقاب استيلائه على مدينة الموصل صيف عام 2014 وتوسعه في سوريا وإعلانه عن قيام “دولة الخلافة”. وحظيت “عرائس الجهاد” بقدرٍ كبير من هذا الاهتمام الإعلامي، حيث تم التعامل معهم كـ”مهاجرات” سافرن إلى مناطق نفوذ التنظيم من جميع أنحاء العالم. وسخرت الصحافة الغربية بصورةٍ خاصة من هذه الظاهرة، حيث تم تقديم تقارير يومية عن نساء من “الدولة الإسلامية”، وكان معظم هذه التقارير مختزلاً ومضللاً.

وتعود أسطورة المقاتلات الأجنبيات في وجودها إلى مزاعم وسائل التواصل الاجتماعي بوجود “مهاجرات غربيات” أشيع بأنهنّ يتدربن للقتال والمشاركة في المناوشات. وكانت حياة النساء في مناطق “الدولة الإسلامية” مغايرة تماماً عن تلك الصورة التي تم عرضها في الحسابات سيئة السمعة. وتشير الدراسة إلى أن الصورة المعروضة كانت تركّز على دور المرأة في المفاهيم الجهادية وبصورةٍ أكبر من التركيز على أي جانبٍ آخر من حياة النساء. وبصورةٍ أو بأخرى، كان المتوقع من النساء الداعمات للتنظيم الزواج مع الغرباء والبقاء في منازلهم وأن يدعمن الجهاد بعيداً عن خطوط القتال. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدور الحيوي الذي لعبته الوعود الرامية إلى تمكين المقاتلين وضمان مشاركتهم في صنع القرار كأحد العناصر الهامة في الإقبال على التنظيم، لن يكون مفاجئاً أن تكون الصورة الأسطورية التي تم عرضها على وسائل التواصل الاجتماعي مغايرة للواقع المعاش، حيث تم منح النساء دور المدافعات والمسؤولات عن إنفاذ القانون.

ويرى صاحبا المقالة أن دراسة البروباغندا الإعلامية لتنظيم “داعش” باللغتين العربية والإنكليزية تعطي صورة أكثر دقة لما كانت عليه حياة النساء الأعضاء في التنظيم، وبصورةٍ مغايرة لتلك الصورة التي تردّد صداها مراراً وتكراراً حول النساء اللواتي تزوجن داخل التنظيم وتم القبض عليهن عندما حاولن الهرب من الرقة والموصل في عام 2017. وهناك ثلاث مصادر رئيسية لمناقشة دور النساء في دولة الخلافة، أولها بيان “الخنساء” حول المرأة وثانيها أطروحة “الزوراء” عن النساء المقاتلات، وثالثها المقالات الموجهة للنساء في مجلات التنظيم المماثلة لـ”دابق” و”رومية”، وإلى حد أقل إلى مقالات صحيفة “النبأ”. وتحاكي هذه المصادر الحقائق والتطور الحاصل على أدوار المرأة في “الدولة الإسلامية” وبموثوقية أكبر من البروباغندا الشخصية التي نشرتها “المهاجرات”.

بيان الخنساء
تداول مناصرو تنظيم “داعش” في بداية عام 2015 عبر الإنترنت بيان الخنساء الذي يقدّم مشورة واضحة حول دور النساء في التنظيم. ولفتت كاتبة البيان، والتي ادعت أنها من “كتائب الخنساء”، وحدة الشرطة النسائية العاملة في الرقة حينذاك، أن مهمتها الرئيسية تكمن في التواجد “في المنزل مع زوجها وأولادها”. وهناك بعض الظروف الاستثنائية التي يسمح فيها للنساء المناصرات مغادرة منازلهن ومنها على سبيل المثال دراسة الدين والمشاركة في العمل الطبي.

وكانت هذه الوثيقة واضحة جداً فيما يتعلق بمشاركة النساء في الجهاد القتالي، حيث تم تأكيد حظر مشاركة النساء في القتال إلا إذا تطلبت الظروف غير ذلك. ونصت الوثيقة على أن مشاركة النساء في القتال تكون “إذا ما كان العدو يهاجم وطننا وعدد الرجال غير كافٍ لحمايته وأصدر الأئمة فتوى تجيز ذلك كما كان عليه الحال مع نساء العراق والشيشان عندما اضطروا إلى المشاركة في الجهاد القتالي. وبحسب بيان الخنساء، فإن النساء يستطعن المشاركة من الناحية النظرية في الجهاد القتالي، إلا أن لذلك ظروف محددة للغاية، والتي لم تكن النساء المجاهدات في العراق وسوريا تواجهها عندما تم نشر البيان.

مؤسسة الزوراء
قامت “مؤسسة الزوراء”، وهي من منافذ “داعش” الإعلامية الموجهة للنساء، بدعم الموقف المذكور في بيان الخنساء بإصدار مقالة عن النساء والجهاد في أغسطس 2015. وأشارت المقالة، التي كانت بعنوان “نصيحة قيمة وتحليل هام لأدوار المرأة في المشاركة في الجهاد”، إلى الشروط الأربعة التي تستلزم مشاركة النساء في الجهاد القتالي. وتتضمن هذه الشروط “مهاجمة المرأة في منزلها” و”مهاجمة الكفار لها في المستشفيات والأماكن العامة، حيث يسمح لها تفجير نفسها إذا كانت ترتدي حزاماً ناسفاً” و”إذا ما كانت في مكانٍ معزول وتطلب منها الأمر ذلك” فبإمكانها استخدام بندقية قنص، وأخيراً “يسمح للنساء بتنفيذ العمليات الاستشهادية فقط إذا ما سمح به الأمير وكان ذلك للصالح العام”.

وتنصح المقالة، في نهاية المطاف، النساء بألا يشغلن أنفسهن بالجهاد القتالي، وأن يركزن عوضاً عن ذلك على “التمريض والطبخ والخياطة”، رغم أنه يجوز لهن التدرب على “الأسلحة” لأغراض الدفاع عن النفس. وفي هذا السياق، يؤكد النص مجدداً على موقف تنظيم “الدولة الإسلامية” القاضي بمشاركة النساء في الجهاد القتالي إذا ما تطلبت الظروف ذلك وأمر الأمير بذلك، أو إذا ما كانت المرأة في موقفٍ يتوجب عليها فيه حماية نفسها.

دابق، ورومية والنبأ

صورة مشتركة لحياة بومدين “أم بصير المهاجرة” مع زوجها أميدي كوليبالي منفذ الهجوم على متجر للقبالة في باريس عام 2015. Photo AFP

ناقش تنظيم “داعش” بين عامي 2014 و2017 دور النساء بشكلٍ مكثّف في مطبوعاتٍ مماثلة لـ”دابق” و”رومية” اللتان ينتجهما مركز الحياة الإعلامي وينشرها الديوان المركزي للإعلام.وعلى الرغم من عرض مجلة “دابق” لموقف أكثر غموضاً مقارنةً مع مجلة “رومية” وصحيفة “النبأ” في آخر تداولٍ لها، إلا أنها كانت واضحة فيما ينبغي على النساء القيام به كمناصرات لجهاد “الدولة الإسلامية”. وعلى سبيل المثال، أجرت مجلة “دابق” أولى مقابلاتها ضمن سلسلة “إلى أخواتنا” مع الزوجة الأولى لأميدي كوليبالي، الذي قتل أربع مدنيين في متجر بقالة بباريس في يناير 2015. ودعت حياة بومدين – أو كما عرفت بأم بصير المهاجرة – القارئات النساء لأن يكنّ: “قاعدةً لدعم وحماية أزواجهن وأخوانهن وآبائهن وأبنائهن. وأن يكنّ ناصحاتٍ لهم. يجب أن يجدوا الراحة والسلام معكنّ. ولا تصعبوا الأمور عليهن. وينبغي عليكن تسهيل جميع الأمور عليهم، وأن تتحلين بالقوة والشجاعة”.

وعلى الرغم من تصويرها أثناء التدرب على استخدام النشاب في فرنسا، وذلك قبل الهجوم الذي قام به زوجها، إلا أن بومدين لم تشجع النساء على حمل السلاح. وبصورةٍ مماثلة، قامت أم سمية المهاجرة في إصدارٍ لاحق من إصدارات “دابق”، بمحاكاة نفس الموقف، حيث كتبت أن النساء ليس لهنّ مكان في ساحة المعركة. وأضافت بومدين: ”إن عدم فرض الجهاد على النساء المسلمات – إلا في حالة الدفاع عن أنفسهن – لا ينقص من دورها في بناء الأمة، وتقديم الرجال وإرسالهم إلى ساحات الوغى”.

وواصلت مجلة “رومية”، التي حلت محل “دابق” في سبتمبر 2016، المضي على نفس النهج. وفي الفترة المتبقية من عام 2016 وغالبية عام 2017، شددت المجلة على عدم مشاركة النساء في القتال. وفي أشرس لحظات حملة التحالف الدولي على الموصل، انشغل محررو “رومية” بحضّ قرائهم من النساء على حصر جهادهم في تربية الأطفال وإعانة أزواجهم وآبائهم وإخوانهم وأولادهم. وركزت مقالات مماثلة لـ”إلزمن منازلكن” و”الزواج من الأرامل سنّة ثابتة” و”إني مكاثرٌ بكم الأمم” دائماً على حاجة المرأة لمواصلة العيش باستقرار وبطريقةٍ داعمة. وبالطبع، فقد استمر ذلك حتى يوليو 2017، عندما رفعت “رومية” حظر القتال على النساء.

من جانبها، ناقشت صحيفة “النبأ” دور المرأة في الخلافة بصورةٍ أقل مما كان عليه الحال في مجلتي “دابق” و”رومية”، حيث قدّمت حفنة بسيطة من المقالات بين نهاية عام 2015 وعام 2017 والتي ناقشت القضايا المماثلة لتواضع المرأة والإرشادات المتعلقة باللباس المناسب للنساء. وكما كان عليه الحال في مجلة “رومية”، فقد كان من المقرر تغيير الموقف التحريري. وفي ديسمبر 2016، نشرت الصحيفة “سأموت والإسلام في ألقه”، حيث شدّدت هذه المقالة على أن “الجهاد القتالي ضروري للنساء كما هو للرجال” شريطة أن يكون ذلك في سياقه الصحيح.

ويختم تشارلي فينتر وديفورا ماغولين دراستهما بالإشارة إلى أن البروباغندا الإعلامية العربية والإنكليزية لتنظيم “داعش” حول المرأة ركزت حتى الآونة الاخيرة على ثلاث جوانب. ويكمن الجانب الأول في بقاء النساء المناصرات للتنظيم في بيوتهن والمحافظة على نمط حياتهن المستقر والمتميز. ثانياً، تم نصح النساء بدعم تنظيم “داعش” بالأموال والكلمات عوضاً عن الأعمال. أما الجانب الثالث، فقد صدرت تعليمات لهنّ بالإنجاب على قد ما تتحمله أجسادهن وأن يكن منفتحات تجاه الزواج من جديد إذا ما قتل أزواجهن في ساحة المعركة. ولعدة سنوات، قام تنظيم “الدولة الإسلامية” بنشر هذه الرسالة ثلاثية الأبعاد، التي تتفق إلى حدٍّ كبير مع الفكر الجهادي التقليدي فيما يتعلق بالنساء والحروب، في قنوات رسمية متعددة وبلغاتٍ متعددة. واعتبرت النساء في “دولة الخلافة” جزءاً ضرورياً من مشروع الجهاد. وبحسب الكاتبين، فقد كان تناقض تنظيم “الدولة الإسلامية” واضحاً في هذا الجانب، فهو لم يشجّع النساء إطلاقاً على المشاركة في الأعمال العنيفة، لكن ذلك لم يمنع من مشاركتهن في مناسباتٍ قليلة في هذه الأعمال.

ويبدو أن موقف “داعش” قد اختلف مع ارتفاع حجم الخسائر على مستوى الأراضي ونقص المقاتلين. وعلى الرغم من عدم وضوح حجم المشاركة الرسمية للنساء في هذه الأعمال، إلا أن التنظيم بدأ دون أدنى شك بتعزيز الشك حول عدم جواز مشاركة النساء في القتال منذ نهاية عام 2016، وبالطريقة التي أشارت إليها المقالات المذكورة في صحيفة “النبأ” ومجلة “رومية”. وبذلك، فقد استند التنظيم على المبررات الدينية التي أشار لها الزرقاوي في عام 2005، عندما ناقش لأول مرة دور النساء في الجهاد.

وإذا ما أخذنا ذلك بعين الاعتبار، فإن التحول الخطابي لتنظيم “الدولة الإسلامية” قد يترتب على نتائج كبيرة، مع تدفق الانتحاريات والقناصات في مناطق مماثلة لمدينة الموصل وبمعدلاتٍ متزايدة. وعلى ذلك، يبدو أن هذا التحول بات قيد التنفيذ.

ملاحظة: تم نشر هذه المقالة على موقع “https://ctc.usma.edu/”. لقراءة المقالة الأصلية انقر هنا.

مواضيع ذات صلة